المقريزي
385
إمتاع الأسماع
يسارع إلى كل من طمع على يديه بفرح ، وأن يستجيب إلى كل ما دعى إليه ، وإن أكثر من في هذا البلاء يستجيز عبادة من أخرجه منه إلى العز والحرمة ، ومع هذا فقد كان بنو إسرائيل أهل عسكر مجتمع ، يمكن منهم التواطؤ . وأما عيسى عليه السلام فما اتبعه إلا نحو اثني عشر رجلا معروفين ونساء قليل ، وعدد لا يبلغ المائة ، وكانوا مع هذه القلة مشردين غير ظاهرين ، ولا يقوم بمثل هذا ضرورة يقين العلم . وأما محمد صلى الله عليه وسلم فلا يختلف أحد من أهل شرق الأرض وغربها ، في أنه أتى إلى قوم لئام ، ولا يقرون ملك ، ولا يطيعون لأحد ، ولا ينقادون لرئيس ، ونشأ على هذا أجدادهم وأسلافهم ، منذ ألوف من الأعوام ، وقد سرى الفخر والنخوة ، والكبر والظلم ، والأنفة في طباعهم ، وهم أعداد عظيمة ، قد [ ملكوا ] ( 1 ) جزيرة العرب ، وهي نحو مسيرة شهرين في شهرين ، فدعاهم بلا مال ولا أتباع ، بل قد خذله قومه إلى أن ينحطوا من ذلك العز إلى غرم الزكاة ، ومن الحرية إلى جري الأحكام عليهم ، ومن طول الأيدي بقتل من أحبوا ، أو أخذ ماله إلى القصاص من النفس [ والأعضاء ] ( 1 ) ، واللطمة من أجل من فيهم لأقل علج ( 2 ) دخل فيهم ، وإلى إسقاط الأنفة والفخر ، وإلى ضرب الظهور بالسياط أو بالنعال إن شربوا خمرا ، أو إن قذفوا إنسانا ، وإلى الرجم بالحجارة حتى يموتوا إن زنوا . وانقاد أكثرهم طوعا ، ما منهم أحد أخذ بغلبة إلا مكة فقط ، فتبدلت به صلى الله عليه وسلم طبائعهم من الظلم إلى العدل ، ومن الجهل إلى العلم ، ومن العسف والقسوة إلى الرأفة والرحمة ، وسيرة العدل العظيم الذي لا يبلغه أكابر الفلاسفة . فقد رأى الناس كيف كانت سيرة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وكيف كانت طاعة العرب لهما ، كل ذلك بلا رزق جار ، ولا عطاء [ دائر ] ( 1 ) ، ولا غلبة ملوكية ، إلا بغلبة من الله تعالى على نفوسهم ، وكسر لطبائعهم ، كما قال تعالى : ( لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف
--> ( 1 ) زيادة للسياق . ( 2 ) العلج : الرجل من كفار العجم وغيرهم .